خواطر .. عالماشي : خدمة خمس نجوم

خواطر … عالماشي

خدمة خمس نجوم
* * * * *

في أحد المطارات العربية العريقة، رأيت مرة مشهدا لم أستطع أن أنساه بعد سنين طالت، ولا أظن أن ينساه أحد ممن شهده، مهما طال به الزمن.
سأتجنب ذكر اسم البلد العربي هذا واسم المطار كي لا تكون هناك مظنة تعمد الإساءة، وإن كان هذا المشهد من المسيئات التي يجب أن ينبه إليها المسؤولون في مثل هذه المطارات العريقة كي يتم تجنبها وأن يتم فوق ذلك شكر وتكريم من توجه بالشكوى. ومع كل هذا فلن أصرح مباشرة باسم المطار أو البلد، بل سألمح باسمه تلميحا خفيفا، فهذا المطار يقع في بلدة قريبة من مشاعر يقصدها ملايين المسلمين كل عام على مدار الحول، وذلك في موسم يسمى الحج الأكبر ومواسم العمرة التي لا تنقطع، ويقع هذا المطار قريبا من بلدتين مطهرتين تشد إليهما الرحال، أولاهما البلد التي ولد بها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، والثانية تلك التي هاجر إليها فشرفت بمقدمه، وفيها روضته ومنبره وقبره صلى الله عليه وسلم، وهذا المطار هو المحطة الأولى لكل حاج أو معتمر قادم عن طريق الجو، إن لم يكن مقصده أولا المدينة المنورة. وبما أن الجميع بات يعرف دون أدنى ريب اسم المطار الذي أقصد وإسم البلد، فإنني على الرغم من ذلك لن أصرح مباشرة بإسمه وأقول إنه مطار جدة، بل سأخبركم عرضا أن هذا المطار يقع في مدينة جدة وأترك الباقي للمتابع أن يحزر أي مطار أقصد ……!!
كنا منذ أعوام قصدنا البيت الحرام زاده الله تعظيما وتشريفا وذلك للزيارة وأداء مناسك العمرة، وقد صادف أن هذه الزيارة حينها كانت استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد قصدنا البيت الحرام في لهيب الصيف، والذي كان لاهبا لا لأن الوقت كان صيفا وحسب، بل لأن الحرارة تجاوزت حينها حد المعقول، وصادف وقت قدومنا أوائل افتتاح موسم العمرة حيث تتدفق الأعداد الغفيرة من أرجاء العالم، وبعد قضاء شهر كامل في الديار المقدسة والاستزادة من خيرات وبركات بلدات المشاعر والزيارة، توجهنا إلى مطار جدة لنعود سالمين غانمين من حيث جئنا. وقد كانت الأعداد الغفيرة من المسافرين في المطار تتطلب جهودا مضاعفة لإنهاء إجراءات مغادرتهم، وقد اصطفت مجموعتنا وانتظمت في طابور طويل بانتظار موظف المطار الشاب الذي لم يكن موجودا في مكانه ، وذلك كي يتفضل بالحضور وإنهاء إجراءات المغادرة للمسافرين الذين ضاقوا من كثرة الانتظار الممل الذي لا داعي له، وقد ضاقت بهم أنفسهم وثقلت عليهم أحمالهم .
قدم الموظف المحترم بكل هدوء وسكينة وتؤدة وكأنه قادم من قيام ليل أو من ساعات خلوة، ودخل المقصورة حيث مكانه وحاسوبه وكرسيه الوثير، وقبل أن يتكرم بالجلوس على مقعده ألقى نظرة متأنية متفحصة إلى الطابور الطويل الممتد أمام عينيه، وكأنه يتلذذ أن بدايات الطابور تبدأ من حيث هو موجود، وأن هذا الطابور لا ينحل إلا إذا تكرم وتعطف بالإسراع بالإجراءات المطلوبة.
جلس على مقعده، وضبط جلسته على كرسيه الوثير بحيث تكون مريحة إلى أبعد الحدود وراح يطيل في ضبط الكرسي علوا وهبوطا ثم علوا ثم هبوطا، وأسند يديه على مسندة الكرسي الدوار، وعندما تأكد من حسن جلسته واطمأن في مقعده ،وأن تأفف وتعب من في الطابور لا يمكن له أن يطاله أو يصل إليه وقد استراح إلى أبعد الحدود ، بدأ بكل هدوء كذلك بتناول جوازات السفر ليتفحصها ويعود إلى حاسوبه ليستخرج معلومات المسافر، ثم يضع الختم على الجواز ويلقي به بما يشبه الرمي في وجه صاحبه.
لم يكن صاحبنا ليكتفي بكل ذلك، بل إنه وهو في جلسته المريحة تلك كان يأبى على يده المستريحة على مسند الكرسي أن ترتفع باتجاه لوحة مفاتيح الحاسب أمامه، بل إنه وضعها بحيث تبقى أصابعه وكفه بارزة عن المسند ، وما فوق ذلك يكاد يخلد في سبات عميق، فإذا ما أراد أن يكتب شيئا على لوحة الأزرار كان يكتفي بأن يحرك الكرسي من تحته والذي كان قد أطال ضبطه حين جلس لهذا السبب، بحركة بطيئة حتى تصل أطراف أصابعه إلى الأزرار ، من غير أن يتكلف برفعها ولو قيد أنملة ، فإذا ما أنهى بقيت اليد مستريحة في مكانها، والكرسي من تحته يدور باتجاه من أنهى له معاملته، ليلقي الجواز قريبا من وجهه ، وكأنه يقول له : فكر مليا قبل أن تعود لزيارتنا.
الحاجة أم الاختراع ، أما أن نكون نحن العرب قادرين على التأقلم مع المخترعات فنطور عليها ونهيئها لراحتنا بحيث نستخدمها من غير حتى أن نرفع أيدينا عن استراحتها، فهذا ما لم يفكر به أصحاب الاختراع الأصليين، الذين لو رأوا هذا المشهد لما قصروا في أيجاد اختراع مناسب له .
لو أن أحدهم حدثني بمثل هذا المشهد لشككت وارتبكت قبل أن أصاب بالدهشة والتعجب، وقد تشككت في نفسي حين رأيته قبل أن أدهش لمرآه، وبقيت أتشكك ولا أزال، ولكنني عندما أتفحص عيني وأفركهما قليلا، أعلم أن هذا مشهد رأيته بأم عيني ولم يخبرني به أحد رآه.

نشر بتاريخ on 22 مارس 2010 at 6:28 م  تعليق واحد  

عنوان تتبع هذه التدوينة: http://monserfackhani.wordpress.com/2010/03/22/%d8%ae%d9%88%d8%a7%d8%b7%d8%b1-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b4%d9%8a-%d8%ae%d8%af%d9%85%d8%a9-%d8%ae%d9%85%d8%b3-%d9%86%d8%ac%d9%88%d9%85/trackback/

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة.

تعليق واحدأضف تعليقاً

  1. أخي و صديقي منذر ، لو أن هذا الموظف كان رئيسه الأعلى يقول للناس : “… و إن كنت على باطل فقوموني ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم” لما تجرأ على أن يعامل الناس هكذا معاملة ، و لتفانى في خدمة الناس ، لو أن نظام الحسبة كان عمريا .. !


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.